فوزي آل سيف

133

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

فلنتحرك مع أُبيٍّ من البدايات حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وآله في منى في العقبة وهي بيعة العقبة الثانية مع نحو سبعين رجلاً من أهل المدينة من الأنصار، ولا نملك معلومات عن عمره في ذلك الوقت، لكنه بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله شارك في جميع مشاهده وغزواته، وهذا لم يكن الجانب الأبرز فيه وإنما جانبه المميز هو اهتمامه بالقرآن حفظا ومعرفة وكتابة. فإنه كان من الكُتّاب المعدودين في المدينة، فاستخلصه رسول الله فيمن اختص لكتابة القرآن، وتدوينه أيام حياته صلى الله عليه وآله، ولما كان يحمل أبو الطفيل وهي إحدى كناه من ميزات في الأمانة والاستيعاب وولاء آل محمد فقد اختصه النبي وقربه وأظهر الاهتمام به مثلما فعل أهل البيت فيما بعد بقراءته بعدما تعددت القراءات والقراء. وكان النبي صلى الله عليه وآله يشير إليه أن الله سبحانه وتعالى راضٍ عن مسيرته وأن النبي صلى الله عليه وآله كذلك يرتضيه ويرتضيها، فقد روي عَنْ أنَسٍ، قالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله دَعا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وقالَ: «إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ القرآن» فَقالَ أُبَيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمّانِي؟ قالَ: «نَعَمْ». قالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي![400] وإذا أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يخبر عن علمٍ لا يحمله إلا المستقيمون على منهاجه كان يستدعي أبيّاً، فقد روي أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله نادى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وهُوَ يُصَلِّي- فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاَتِهِ لَحِقَهُ- فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله يَدَهُ عَلى يَدِهِ وهُوَ يُرِيدُ أنْ يَخْرُجَ مِن بابِ المَسْجِدِ. فَقالَ: «إنِّي لأرْجُو أنْ لاَ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى تَعْلَمَ سُورَةً؛ ما أُنْزِلَ فِي التَّوْراةِ، ولاَ فِي الإنْجِيلِ، ولاَ فِي الفُرْقانِ مِثْلَها»، فَقالَ أُبَيٌّ: فَجَعَلْتُ أُبْطِي فِي المَشْيِ، رَجاءَ ذلِكَ. ثُمَّ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُّورَةَ الَّتِي وعَدْتَنِي؟. قالَ: «كَيْفَ تَقْرَأُ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاَةَ؟» قالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى أتَيْتُ عَلى آخِرِها. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله: «هِيَ هذِهِ السُّورَةُ. وهِيَ السَّبْعُ المَثانِي والقرآن العَظِيمُ، الَّذِي أُعْطِيتُ».[401] وهكذا الحال عندما أراد أن ينبهه إلى عظمة آية الكرسي وما فيها، فقد روي عنه أنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا المنذر، أي آية في كتاب الله أعظم؟ قلت: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، قال: فضرب في صدري، ثم قال: ليهنك العلم، والذي نفس محمد بيده، ان لهذه الآية لسانًا وشفتين، يقدس الملك لله عند ساق العرش".[402] ولم يكن هذا ناشئاً من فراغ بل كان لتوقير أبيٍّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله ، واحترامه الكبير إياه، وكثرة صلاته على النبي محبة له، كان لذلك الدور الأساس، بل نراه يعرف أن لهذه الصلاة ثواباً عظيماً ويريد أن يجعل ذلك الثواب لرسول الله!! فانظر إلى هذه المحبة! وانظر إلى قول بعضهم بالنسبة لرسول الله أنه ليهجر - والعياذ بالله - أو أن قرباه ونسبه لا ينفع في شيء وأمثال ذلك! فقد روي عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أجْعَلُ لَكَ مِن صَلاتِي؟ قالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «ما شِئْتَ». قُلْتُ: الرُّبُعَ. قالَ: «ما شِئْتَ، وإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ: الثُّلُثَ. قالَ: «ما شِئْتَ، وإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ: النِّصْفَ. قالَ: «ما شِئْتَ، وإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ: الثُّلُثَيْنِ.

--> 400 ) بن أبي شيبة؛ أبو بكر: مصنف ابن أبي شيبة ٦/‏٣٩٣ ومسند أحمد ٢١/‏١١٦ 401 ) بن أنس؛ مالك: موطأ مالك ت عبد الباقي ١/‏٨٣ 402 ) النوري في مستدرك الوسائل عن الشيخ الطبرسي في مجمع البيان، ومصنف عبد الرزاق الصنعاني ٣/‏٣٧٠